انور ابو الخير يكتب : أحلام المرشحين وإفلاس الناخبين
سبات عميق يغط فيه المواطن وأكثر من ذلك تطنيشه كبقايا طوفان دمر ممتلكات وقتل حياة هذا هو حال المواطن في مثل هذا الوقت كانت الدواوين عامرة والمرشحين مشغولة في حراك قوامه اعداد وتنظيم وكسب أصوات فالجميع يتفاعل مع الانتخابات النيابية بكل حواسه وعواطفه ويظهر ذلك جلياً في الشارع العام وكل حركاتنا وسكناتنا عكس هذه الأيام التي تمر مخلفة فراغ حيث تجلس تجد فاعلية لكلمة أصبحت قاسم مشترك وعنوان شارع مالها طعم تعبير صادق ففي الانتخابات الماضية اجزم بأن انتخابات اليوم ماتت قبل أن تولد فكلها وجوم واحجام وكأن الناس ملت هذه الانتخابات التي لا تأتي بجديد علنا نسافر في قطار عثماني لنصل لجرف قد تنتهي عنده الرحلة وتطمس معالمها ضمن عزوف غير مسبوق قوامه تفهم وتبصر للظرف الراهن الذي يعبر عن مضمونه شاب في الشارع من خلال كلمات لا تتعدى أصابع اليد (شبعنا كذب)
فالمواطن المسكين لم يعد يهمه من كل ذلك سوى تحصيل رزقه وحياة كريمة لأسرته وهذا كل ما صار يحلم به اليوم وتأمين متطلبات بيته الرئيسة التي تساعده على إكمال مسيرة حياته اليومية التي لم تعد تلبي ربع ما كانت ترضيه قبل نحو عشر سنوات من الآن
ولكن رمت بنا الأقدار اليوم على عتبة الاختيار بين أن “نكون أو لا نكون” وعلى من يبحثون عن خيار ثالث أن يفهموا أنهم هم الأسوأ إن لم يكونوا أسوأ منهم وأن ما يتم صرفه على الانتخابات البرلمانية كل خمس سنين يكفي لحل نصف مشاكل البلد ومن تأتي بهم من أسوأ “نخبة” البلد ما كان لهم أن يصلوا قمة المجتمع بشهاداتهم ولا بإخلاصهم ولابنضالهم ولابذكائهم ولابشعورهم بالمسؤولية ولا بألمهم لواقع المجتمع
كفى استخفافا بعقول ووجع الناس ومطالبهم استمعوا لاصواتهم واجعلوها خارطة طريق لانقاذ الوطن ولنبتعد عن المسكنات وعالجوا اصل الداء ولنضع المصالح الشخصية جانبا كي لا نغرق جميعا ومع كل انتخابات تشريعية تتجدد أحلام أبناء الشعب وتتجدد المطالب وتبدأ التجمعات الجماهيرية واللقاءات بين المرشحين والجمهور الانتخابي عندها نجد أن صوت الوعود يعلو يرافقه الخطب الرنانة وهيئة المرشحين وهم يرتدون بدلة الإنقاذ لهذا المواطن البسيط الذي غزاه الفقر ومزقت ثيابه أفعال رجل السياسة الكاذب وبين هذا وذاك نجد الحديث عن كرامة المواطن وعن الإصلاح وعن تحقيق العيش الكريم والمستقبل الأفضل ولم يبق شيء إلا الذهاب إلى صندوق الاقتراع
قهقهات من هنا وهناك وأهازيج نسمعها من المهاويل والشعراء ومتحدثون بخطب على منصة التقديم وأصواتهم عالية على المنابر وهم يزكون المرشح الفلاني أو يمدحون النائب السابق ويذكرون أفعاله وكل حسناته وكأننا نعيش في يوم القيامة
فالكل هنا يبحث عن حسنة منسية ويبتعد عن أي سيئة حصلت في تلك الخمس سنوات السابقة
أما الناخبون الذين زمروا وقطعوا العهود بأنهم لن يكرروا ما مضى وأن مرارة السنين تذكرهم بتلك الأصابع البنفسجية التي كوتها نار الخيبة مرارا وتكرارا لكنهم ما زالوا يعيشون ذلك الحلم الجميل الذي يتحدث عنه المرشح ليندمج مع الأمل واليأس الذي يخيم على قلوبهم وفي كل مرة وكالمعتاد تتسع تلك الفجوة بين ابناء المجتمع كلما اقترب ذلك الموسم الانتخابي الجديد ومجلس النواب بمقاعده أصبح عروشا للملوك يكسب من يفوز بأحد مقاعدها الملايين من الجنيهات وتتغير مجريات حياته إلى صاحب الأملاك وصاحب السلطة والجاه
ولذلك يستوجب عليه أن يعرف جيدا كيف يبدأ بمساومات كسب هذه الأصوات من هؤلاء المواطنين التائهين في طرق السياسة الجديدة سياسة الديمقراطية وفروعها ومفاهيمها التي وصلت ربما بطريقة خاطئة ونعود إلى نفس الطريقة المكررة مع كل مره للانتخابات فتتزين الشوارع بملايين اللافتات وتجد مكبرات الصوت في المناطق الشعبية والكاميرات وهي تصور ذلك المرشح ووعوده بالإعمار وخدمة من لا خدمة لهم ويطرقون المرشحون أبواب الناخبين ويشكرونهم على حضورهم مؤتمراتهم الانتخابية ويقدمون ابتساماتهم أمام الكاميرات
لكن الحقيقة الثابتة والواحدة أن خلف كل هذه الصور هناك حقيقة واحدة ورغم أنها تحمل طعم المرارة الكبيرة إلا أنها هي الحقيقة حقيقة مقاعد مجلس النواب التي أصبحت هي الهدف وركوب المطية للوصول إلى المصالح الشخصية
فآمال الشعوب لا يمكن تحقيقها بينما أحلام المرشحين بالوجاهة والنفوذ والسيارات المصفحة والرفاهية لعوائلهم سوف تكون بمجرد إعلان نتائج الانتخابات.
نعم، هناك من ينتظر الامتيازات وهناك من يعيش على الأحلام البسيطة كالحصول على راتب رعاية اجتماعية او صورة تجمعه مع النائب الفائز
نعم إن قانون الانتخابات يقول إن المواطن اليوم هو الشريك الأساسي في صناعة القرار وانتخاب السلطة التشريعية ثم بعدها هم من سوف يقومون بانتخاب السلطة التنفيذية لكننا مازلنا نشكك كثيرا نحن المواطنين في مصر بتنفيذ مضمون هذه الفقرات من قانون الانتخابات لأننا نرى أن شراء الذمم أصبح بحدث ولا حرج وأصبح إعلان النتائج وتأخيرها يقع ضمن سلطة الأحزاب يرافقها شكوك ذلك الناخب الذي أدلى بصوته وأصبح مبهم وربما سوف تتصرف به جهات مجهولة
ما يحزن الطبقات المثقفة وغيرهم من المتابعين لأحداث الشأن المصري هو تلك التحالفات التي أصبحت تحمل طابعا مشبوها لأننا نرى فيها أن المرشح نفسه لن يستطيع الاحتفال بفوزه ونجاحه لأنه قد وقع على نفسه عهودا مع تلك الكتلة أو الحزب وسوف تكون أغلالًا في رقبته لا يستطيع التخلي عنها لأي سبب كان وخوفه من الإفلاس الأخلاقي أمام جمهوره الانتخابي وقاعدته الشعبية التي بصمت له من أجل الفوز والافلاس المادي أمام كتلته التي ربما قد وقعته على أوراق بيضاء
وبين أحلام المرشحين وإفلاس الناخبين تظهر لنا صورة جديدة لمجلس برلماني جديد صورة كنا نتوقعها بصيغة أخرى بعيدة عن مفهوم الطائفية والمحسوبية وشراء الأصوات والذمم وتعود الامور بعدها الى مجاريها الطبيعية ويعود الناخب تحت اشعة الشمس مع انقطاع الكهرباء والخدمات المتردية ويذهب المرشح الفائز الى جنات في منطقته الخضراء وقربه قاصات البنوك مفتوحة له وامامه التبريد المركزي لسيارة التاهو الحديثة
فهنيئا لك يافاعل الخير لانك اوصلته لما هو عليه

