الربان وسام هركي.. يكتب / رسالة إلى مسؤولي الدولة اليوم أطالب بحقوق زملائي المفقودين و غداً قد أكون أنا المفقود، فمن سيحمي أسرتي؟

الربان وسام هركي.. يكتب / رسالة إلى مسؤولي الدولة اليوم أطالب بحقوق زملائي المفقودين و غداً قد أكون أنا المفقود، فمن سيحمي أسرتي؟

إلى معالي الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل و السادة قيادات قطاع النقل البحري و اللوجستيات و هيئة السلامة البحرية و وزارة الخارجية المصرية و إلى السادة المسؤولين عن الإعلام و الصحافة و النقابات المهنية و العمالية.

تحية تقدير و احترام و بعد،

أكتب إليكم اليوم بصفتي رباناً بحرياً مصرياً و أحد أبناء قطاع النقل البحري التجاري، أحمل الي سيادتكم رسالة إنسانية و مهنية، أرجو أن تصل إلى قلوبكم قبل مكاتبكم، في وقت أصبحت فيه البحار و المضايق و الممرات الملاحية الدولية ساحات للصراعات و التهديدات و أصبحت أرواح العاملين على السفن التجارية معرضة لمخاطر متزايدة، قد تحول رحلة عمل عادية إلى مأساة تعيشها أسرة بأكملها.

لقد تابعنا جميعاً أزمات القرصنة التي تعرض لها بحارة مصريون و الحمد لله على عودة زملائنا الذين نجوا منها، لكننا شاهدنا أيضاً حجم الخوف و المعاناة التي عاشتها أسرهم و هي تبحث عن معلومة تطمئنهم على مصير أبنائهم و اليوم يتكرر المشهد مع ما أُثير بشأن حوادث السفن في البحر الأسود، و منها واقعة فقد زميلنا الربان مصطفى غازي من السفينة “HC Dignity”، وحالة فقد أخرى للمهندس محمود كمال بعد حادث السفينة “Alfa Watan”، وسط تساؤلات و نداءات متواصله منذ شهر تقريباً علي صفحات التواصل الإجتماعي من الأسر تطالب بمعرفة مصير ذويها او أي معلومة .

وهنا أتساءل بكل احترام: أين غرفة الأزمات البحرية المصرية المعلنة ؟ و أين الجهة الرسمية التي تستطيع أسرة أي بحار مصري الرجوع إليها عند وقوع حادث؟ و من هو الشخص المسؤل بالدولة للتواصل مع الأسر بالدولة؟

إنني لا أنكر وجود جهود و اتصالات رسمية قد بذلت او ما زالت تُبذل بعيداً عن الأضواء و لكن ماذا تفعل الأسرة إذا لم تعرف من المسؤول عن التواصل معها ؟ و من يمنحها المعلومات المؤكدة ؟ و من يتابع إجراءاتها و مستنداتها و حقوقها؟ إن ترك الأسر تبحث عن الإجابات عبر صفحات التواصل الاجتماعي يضاعف معاناتها و نفسيتها و يفتح الباب أمام الشائعات و المعلومات غير الدقيقة و المنتفعين.

و من هنا أجدد مطالبتي بإنشاء أو تفعيل غرفة أزمات بحرية مشتركة و معلنة، تضم وزارة النقل و قطاع النقل البحري و هيئة السلامة البحرية و وزارة الخارجية و الجهات المختصة و الصحف و الإعلام و تعمل بآلية واضحة و شخص مسؤل بالدولة للتواصل المباشر مع أسر المفقودين او المصابين او المحتجزين و متابعة عمليات البحث و الإنقاذ و تسهيل الإجراءات و المستندات و حفظ الحقوق، مع وجود متحدث رسمي يصدر البيانات المؤكدة و يضع حداً للتضارب الإعلامي و لكل منتحلي الصفات بقطاع النقل البحري المعلومين من الجميع، فالأسر لا تطلب المستحيل و إنما تطلب ألا تُترك وحدها في أصعب لحظات حياتها.

و ما يزيد الأمر خطورة أن غياب التواصل الرسمي الواضح قد ترك فراغاً سبب بتقدم لملئه أشخاص يقدمون أنفسهم بإعتبارهم ربابنه او كايتن و كأنهم ممثلين لكافة العاملين في قطاع النقل البحري أو أنهم أصحاب صفات نقابية و مهنية تمثل كافه العاملين بالقطاع، دون وضوح اي سند القانوني لهذه الصفات.

وهنا أطرح سؤالًا أرجو أن نتوقف أمامه جميعاً:
هل يجوز أن تتحول دموع الأمهات و صرخات الزوجات و معاناة أسر المفقودين إلى وسيلة لإكتساب الشهرة و المصداقية، ليس داخل مصر فحسب، بل أمام المؤسسات و الجهات البحرية الدولية أيضاً و بإنتحال صفه ربان او كابتن علناً و جهراً علي قناوات فضائية و صحف مصرية و عربية؟؟؟؟؟
هل هذه هي المصداقية في الصحف و الإعلام بل و في القطاع؟؟؟
أين الرقابه و أين المحاسبه؟؟؟؟

إن أرواح البحارة المصريين ليست وسيلة للدعاية الإعلامية و معاناة أسرهم ليست شهادة إعتماد يمنحها أحد لنفسه، كما أن مساعدة الأسر واجب إنساني نبيل، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائياً صفة نقابية أو مهنية أو حق التحدث باسم قطاع بأكمله أمام مرأي و مسمع من الجميع ، ماذا يحدث بالقطاع يا سادة؟؟؟؟

و أقولها لكم جميعاً ، إذا أصبحت مفقوداً غداً ، ليس من حق أحد أن يستغل اسمي او صورتي او يستغل أسرتي بسبب غياب المعلومات او غياب شخص مخول من الدولة للتواصل مع اسرتي لإبلاغها بالمستجدات او تخليص اوراقي ، فنحن خلقناً رجالاً و ان فقدنا او متنا سنظل رجالاً و لا يحق لاحد استغالي اسمي ليكتسب سمعه او شهرة او لقب هو ينتحله أمام الجميع و غياب السيد المسؤل الذي ترك المجال لهذا العبث المذاع علي القناوات.

ومن هنا أناشد المؤسسات الإعلامية والصحف والقنوات الفضائية ضرورة التحقق من الصفات المهنية و النقابية لمن يظهرون على شاشاتها متحدثين باسم البحارة المصريين و عدم تداول أخبار الوفاة قبل التأكد رسمياً منها، فهناك فارق إنساني و قانوني كبير بين المفقود و المتوفى ول ا يجوز التهاون في مشاعر الأسر أو حقوقها.

وفي السياق نفسه، أرى أن الوقت قد حان لفتح ملف التمثيل النقابي الحقيقي للعاملين في قطاع النقل البحري التجاري المصري، فنحن بحاجة إلى نقابة مستقلة تنبع من رحم وزارة النقل العاملين بقطاع النقل البحري و تستمد شرعيتها من اختيارهم الحر ويقودها أصحاب الخبرة و الكفاءة الكبيرة من السادة الربابنة التجاريين و كبار المهندسين البحريين وفقًا للقانون.

نحن نريد نقابة يختارها البحارة، لا نقابة او نقيب يفرض علينا و نريد ممثلين حقيقيين لأهل المهنة، لا ألقاباً و صفات تُستخدم دون سند قانوني.

إن قطاع النقل البحري المصري يزخر بكفاءات بحرية قضت أعمارها في أعالي البحار والمحيطات بالقطاع التجاري و من حق هذه الكفاءات أن يكون لها تمثيل نقابي يعبر عن مصالحها و يدافع عن حقوقها و يتعامل مع مشكلاتها المهنية و الإنسانية بشرف و إخلاص و وفاء و ليس للمصالح و المحسوبية و لإنتحال الصفات البحرية علناً و جهراً أمام الجميع بل و علي القناوات و الصحف، خصوصاً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الملاحة الدولية.

و إلى السادة المسؤولين بالدولة المصرية، أقول إننا أقدر و أفتخر بحجم الجهود المبذولة لتطوير كافة قطاع النقل من الموانئ و البنية التحتية و المنظومة البحرية و الممرات اللوجيستية ، لكن الإنسان الذي يعمل على متن السفينة يجب أن يظل في قلب هذا التطوير، فالسفن و المعدات يمكن تعويضها، أما الأب الذي ينتظره أبناؤه و الابن الذي تترقب أمه عودته، فلا يمكن تعويضه و هذا هو قدرنا و رزقنا لنكون الجنود المجهولة التي تري ما لا يمكنكم رؤيته و التعامل مع أزمات تشيب لها الأبدان بل و تصلح لأفلام هليودية حقيقية تصفقون عليها في شاشات التلفاز و السينيمات و لكننا نعيشها حية يا سادة.

و لذلك اسمحوا لي أن أتحدث إليكم لا كربان بحري، بل كإنسان و أب و زوج قد يجد نفسه غداً في الموقف نفسه، كزميلي المفقود مصطفي الغازي او المهندس المفقود محمود كمال.

أنا اليوم أكتب إليكم و أنا على قيد الحياة و لكن ماذا لو كنت أنا المفقود غداً يا سادة؟
ماذا لو انقطع الاتصال بسفينتي؟
هل ستُترك زوجتي و أبنائي يبحثون عن مصيري عبر صفحات التواصل الاجتماعي كما يحدث الان مع اسر المفقودين؟
وهل سيضطرون إلى اللجوء لأي شخص يعدهم بالمساعدة؟
وهل يمكن أن تصبح معاناتهم وسيلة لتلميع أشخاص أو منحهم مصداقية لا يستحقونها؟
من سيطمئن أسرتي؟
ومن سيتحدث باسمي؟
ومن سيحفظ حقوق أبنائي؟

إنني أوجه هذه الرسالة ثقةً في مؤسسات الدولة المصرية و رغبةً صادقة مخلصه في سد أي فجوة قد تؤثر على حماية أبناء الوطن لا انتقاصاً من جهودكم في رفعه الوطن.

نحن لا نطلب المستحيل و إنما نطلب غرفة أزمات بحرية معلنة و تواصلاً رسمياً من الدولة يحفظ كرامة الأسر، و تمثيلاً نقابياً حقيقياً من قطاع النقل البحري التجاري يحمي حقوق العاملين و إعلاماً مسؤولًا يتحقق من المعلومات و الصفات قبل نشرها.

إن البحار المصري يستحق أن يشعر و هو في أقصى بحار العالم، بأن وراءه وطناً يتابع مصيره و مؤسسات تحمي حقوقه و أسرة لن تُترك وحدها إذا غاب او فقد.

حفظ الله مصر و شعبنا العظيم و حفظ بحارتنا في كل بحار العالم و رد المفقودين إلى أسرهم سالمين يا رب العالمين.

الربان/ وسام هركي
أحد أبناء قطاع النقل البحري التجاري المصري

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *