احمد عيد قطب يكتب “الاستثمار الرياضي.. طوق النجاة لإنقاذ الأندية الشعبية في ضوء قانون الرياضة الجديد
بقلم: أحمد عيد قطب – المحامي
عضو لجنة الحريات – اتحاد المحامين العرب
تواجه الأندية الشعبية في مصر واحدة من أكبر أزماتها المالية عبر تاريخها، إذ تراجعت إيراداتها، وتفاقمت الديون، وازدادت الضغوط الإدارية والالتزامات التعاقدية. هذه الأندية التي شكّلت الوجدان المصري وارتبطت بأحياء وعائلات ومدن كاملة، باتت اليوم مهددة ليس فقط بفقدان قدرتها على المنافسة، بل بفقدان هويتها ووجودها.
ومع صدور قانون الرياضة الجديد رقم 171 لسنة 2025، عاد الأمل في وجود إطار قانوني قادر على إنقاذ هذه المؤسسات من أزماتها المزمنة، من خلال فتح الباب أمام الاستثمار الرياضي كمدخل إصلاحي شامل يحوّل الأندية من كيانات تعتمد على الاشتراكات إلى مؤسسات اقتصادية قادرة على التمويل الذاتي.
الإطار القانوني الجديد: رؤية أكثر انفتاحًا للاقتصاد الرياضي
جاء القانون بمجموعة من النصوص التي تُعد نقلة نوعية في علاقة الأندية بالسوق وبالمستثمرين وبالجهة الإدارية، ومن أهمها:
المادة (45)
أتاحت للهيئات الرياضية تأسيس شركات مساهمة بمفردها أو بالشراكة مع الغير، لتتولى إدارة النشاط الرياضي أو استثماره، وهو تطور جذري يفتح الباب أمام تحويل الفرق والأنشطة إلى كيانات اقتصادية حقيقية.
المادة (60)
وضعت تنظيمًا شاملًا لشركات الخدمات الرياضية، يغطي مجالات الإدارة والتسويق والرعاية والإعلانات واستغلال الحقوق التجارية، مما يمنح الأندية أدوات جديدة لتعظيم مواردها.
المادة (61)
أكدت على خضوع تلك الشركات لرقابة الدولة، ما يضمن حماية المال العام ومنع الفساد وإرساء قواعد الحوكمة والشفافية.
نماذج الاستثمار الممكنة لإنقاذ الأندية الشعبية
1. تأسيس شركات استثمارية تابعة للأندية
هذه الشركات يمكنها إدارة ملفات البث والرعاية والإعلانات، إلى جانب إدارة المتاجر الرسمية وتسويق منتجات النادي، بما يحقق مصادر دخل ثابتة ومستدامة.
2. تطوير المنشآت الرياضية
استغلال الملاعب والصالات كقيمة عقارية ضخمة، وتحويلها لمراكز فعاليات تجارية ورياضية، بما فيها المطاعم والكافيهات ومراكز اللياقة البدنية.
3. الاستثمار في قطاع الناشئين
تأسيس أكاديميات رسمية داخل مصر وخارجها، وتصدير المواهب — وهو أحد أكبر مصادر الدخل لأي نادٍ شعبي يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة.
4. الشراكة مع القطاع الخاص
إبرام عقود بنظام المشاركة أو BOT لإقامة مشروعات داخل النادي، بما يحقق تمويلًا غير تقليدي ودون تحميل النادي أعباء مالية.
5. التحول الرقمي والإعلامي
إطلاق قنوات رقمية ومنصات بث مباشر عبر الإنترنت، وهو اتجاه عالمي يحقق أرباحًا متنامية مع توسع الإعلانات الرقمية.
ضمانات قانونية تحمي الجمهور وأموال الأندية
رغم الانفتاح الكبير على الاستثمار، لم يُغفل المشرّع الجانب الرقابي:
خضوع الشركات للرقابة المالية والإدارية.
إلزام الأندية بالإفصاح المالي.
منح الجمعية العمومية سلطة سحب الثقة ومحاسبة الإدارة.
وقد دعّم القضاء هذا الاتجاه؛ إذ أرست المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 60120 لسنة 73 ق.ع مبدأً مهمًا بأن استقلال الهيئات الرياضية لا يمنع الرقابة عليها.
كما أكدت محكمة القضاء الإداري في الدعوى رقم 70451 لسنة 65 ق على مشروعية تدخل الدولة عند وجود مخالفة قانونية أو مالية.
كيف يغيّر الاستثمار مستقبل الأندية الشعبية؟
1. تعزيز الموارد المالية
من خلال عقود الرعاية وتسويق الحقوق التجارية والأكاديميات.
2. سداد الديون التاريخية
وضع آلية واضحة لتوجيه جزء من العائد لسداد الالتزامات المتراكمة.
3. استدامة مالية طويلة الأجل
عبر مشروعات استثمارية لا ترتبط بنتائج المباريات.
4. تحسين القدرة التنافسية
بتمويل صفقات جديدة والحفاظ على العناصر المتميزة داخل الفرق.
إن قانون الرياضة الجديد لم يأتِ كتعديل تقني فحسب، بل كخريطة طريق لإنقاذ الأندية الشعبية ووضعها على مسار احترافي يضمن الاستدامة.
فالاستثمار لم يعد رفاهية، بل ضرورة لبقاء الأندية وتطويرها وحماية تاريخها.
وتفعيل نصوص المواد (45 – 60 – 61) يمثل المفتاح الحقيقي لانتقال الرياضة المصرية إلى مرحلة جديدة من الاحتراف، تُعيد لهذه الأندية مكانتها بين جماهيرها وتضعها على الطريق الصحيح نحو مستقبل اقتصادي قوي ومستدام.

