الكتابة كشهادة زمن: آدم خضر يتأمل المرأة والوطن

الكتابة كشهادة زمن: آدم خضر يتأمل المرأة والوطن

بين صفحات كتابه “حواء الريف”، يأخذنا الكاتب الشاب آدم خضر في رحلة بين صمت الريف وجوهر الحياة الإنسانية، ليتحدث عن المرأة، التضحية، والوطن من زاوية فلسفية صافية، بعيدًا عن الصخب الإعلامي والتصريحات المعلبة

كيف يعرّف آدم خضر نفسه بعيدًا عن التعريفات التقليدية؟

أنا لا أرى نفسي إلا شاهدًا على زمنه، لستُ صاحب يقين مطلق، بل صاحب سؤال مستمر، الكتابة عندي ليست وسيلة للظهور، بل محاولة لفهم هذا الاشتباك المعقد بين الإنسان وواقعه، أكتب لأن الصمت أحيانًا شكل من أشكال القبول، وأنا لا أريد أن أكون شاهدًا صامتًا

“حواء الريف” كتاب اجتماعي، لكنه يبدو أقرب إلى شهادة إنسانية… كيف تراه أنت؟

أراه مرآة مرفوعة في وجه واقع اعتدناه حتى حسبناه طبيعيًا، الريف ليس مجرد مكان، بل منظومة قيم وعادات تشكل الوعي منذ الطفولة، حاولت في الكتاب أن أقترب من التفاصيل الصغيرة، لأن الظلم لا يأتي دائمًا في صورة صاخبة، أحيانًا يتسلل بهدوء تحت مسمى العُرف أو التقاليد

لماذا “حواء” تحديدًا؟

لأن الاسم يحمل معنى البداية، حواء هنا ليست امرأة واحدة، بل رمز للأنثى الأولى في كل بيت، لتلك التي تمنح الحياة وتتحمل ثقلها، هي صورة للقوة الصامتة التي لا تطالب بشيء، لكنها تدفع الكثير

هل انطلقت من تجارب واقعية؟

الواقع كان المعلم الأول، كل صفحة في الكتاب لها جذور في قصة حقيقية أو موقف عشته أو سمعته، لكنني لم أرد أن أنقل الحدث كما هو، بل أن أستخرج منه معناه الأعمق، لأن المشكلة ليست في حادثة بعينها، بل في الفكرة التي تجعل الحادثة ممكنة

شاركت في تقديم وإعداد برامج تلفزيونية هامة في سن صغير… هل ترى الكتابة اكتمال لذلك الأمر أم بعيدة عنه؟

الكتابة ليست استمرارًا للتلفزيون، لكنها امتداد للبحث عن معنى أعمق، التلفزيون يعطي صورة سريعة، لحظة تعيشها الشاشة وتنتقل، أما الكتابة فهي زمن آخر… زمن التأمل والعودة للوجدان، أحيانًا أشعر أن الكتابة تمنحني فرصة للغوص داخل الواقع، بينما الإعلام يطلب مني أن أظهر السطح فقط، الكتابة تكمل الرؤية، لكنها بعيدة عن الضجيج، أقرب إلى الصمت الذي يحمل السؤال

هل حقق “حواء الريف” مراده وهدفه؟

لو كان الهدف أن نكتب كتابًا ونغلق بعده أبواب المعاناة، فالإجابة بصراحة: لا، ما زلنا نسمع عن إهانة الفتيات في ممارسات تتم على مرأى ومسمع من الجميع، ما زال الزواج القسري يُمارس تحت ستار العادات، وما زالت بعض النساء تتكبد ما لا تطيق، ويظل مصيرها — بحلوه ومرّه — مرهونًا بقرار غيرها، لكن إن كان الهدف أن نوقظ سؤالًا، وأن نقلق هذا الصمت الطويل، وأن نجعل القارئ يعيد التفكير قبل أن يبارك ظلمًا اعتاده… فأظن أن الكتاب بدأ الطريق، التغيير لا يحدث بضربة واحدة، بل يبدأ بفكرة، ثم وعي، ثم موقف، و”حواء الريف” لم يُنهِ الحكاية، لكنه رفض أن يعتبرها أمرًا عاديًا

ما هي أقرب قصة لك تناولتها في كتابك “حواء الريف”؟

كل الحكايات كانت قريبة من قلبي، لكنها ليست مجرد قصص؛ هي لحظات فلسفية عن معنى الحياة والتضحيات الصغيرة التي تشكل الإنسان والمجتمع، أكثر ما لمسني هو قصة المرأة التي تتحمل حرارة ونار الفرن البلدي، هي لا تتحملها من أجل نفسها، بل من أجل ابتسامة طفلها، من أجل لحظة رضا عابرة، من أجل أن يبقى البيت نابضًا بالدفء والأمل، في هذه اللحظة الصغيرة تتجلى فلسفة الصبر والإيثار، نرى أن المعاناة أحيانًا ليست عبئًا، بل اختيار حرّ يختاره الإنسان لإعطاء معنى لما حوله، الفرن الساخن هنا ليس مجرد أداة طبخ، بل رمز لكل نيران الحياة التي نواجهها بصمت من أجل من نحب، وفي هذه البساطة نجد قوة أكبر من أي خطاب كبير أو صخب إعلامي، قوة صمت يمنح الحياة طعمها، وقوة وفاء تجعل من العادي ملحمة

ما السؤال الأكبر الذي يطرحه الكتاب؟

يسأل: لماذا نقبل بما لا نرضاه لو وُضعنا في مكان غيرنا، ولماذا نُقدّس العادة حتى لو تعارضت مع العدالة، الكتاب لا يصرخ، بل يهمس، لكنه همسٌ يحمل قلقًا أخلاقيًا عميقًا

ماذا غيّر فيك هذا العمل؟

جعلني أكثر إنصاتًا، أدركت أن الكاتب لا يكتب ليُسمَع فقط، بل ليتعلّم أيضًا، كل قصة مرّت بي أثناء الكتابة كانت تعيد ترتيب مفاهيمي عن القوة، عن الصبر، وعن معنى الكرامة

إلى أين يتجه مشروعك بعد “حواء الريف”؟

لا أحب أن أتعجل ملامح الطريق، لأن الكتابة عندي لا تُقرَّر بقدر ما تُكتشف، لكنني أحمل في داخلي رغبة عميقة في تناول تضحيات الجيش المصري، لا بوصفها حدثًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل باعتبارها قصة وطن كُتبت بدماء أبنائه، أتمنى أن أكتب عملًا يتأمل معنى التضحية، وكيف يمكن لمؤسسة وطنية أن تتحول إلى درع يحمي فكرة الدولة نفسها، كما يشغلني أن أتناول مرحلة العبور بمصر إلى برّ الأمان في عهد عبد الفتاح السيسي، لكن من زاوية إنسانية وتأملية مختلفة، بعيدة عن الخطاب المباشر، أقرب إلى قراءة فلسفية لفكرة النجاة، والصمود، وإعادة بناء الثقة في لحظات كانت فيها الأوطان على حافة السقوط

شخص تود شكره بعد كل هذا الإنجاز العظيم؟

أود أن أشكر أسرتي، أمي وأبي وأخي، على كل دعمهم واحتضانهم الدائم، وأشكر كل من آمن بي يومًا ما، ومنحني مساحة للكتابة، مساحة للخطأ، ومساحة للنمو، إن الإنجاز الفردي لا يحدث بمعزل عن من حولنا، وكل كلمة كتبتها كانت ثمرة ثقة الآخرين بي وإيمانهم بي

كلمة أخيرة؟

ليست كل القضايا تحتاج صخبًا، بعضها يحتاج فقط إلى ضوء، وإذا استطاع كتاب أن يفتح نافذة صغيرة في جدار طويل من الصمت، فقد أدى دوره

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *