منصات التواصل بين صناعة النجاح واستغلال الطمع.. كيف تحولت الشهرة السريعة إلى بوابة لممارسات غير قانونية؟
لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل أو تبادل المعرفة، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، ووفرت فرصًا حقيقية للعمل والإبداع وريادة الأعمال، ونجح من خلالها كثير من الشباب في بناء نماذج ناجحة تقوم على الموهبة والاجتهاد والمحتوى الهادف.
لكن في المقابل، أفرز هذا التطور نماذج أخرى اختارت الطريق الأسهل والأسرع لتحقيق المكاسب، حتى وإن كان ذلك على حساب القانون أو قيم المجتمع. فخلف مسمى “صانع محتوى” اختبأ البعض لممارسة أنشطة لا تمت بصلة للإبداع، بل اعتمدت على الإثارة أو الخداع أو استغلال الآخرين لتحقيق أرباح سريعة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى استدراج فتيات واستغلالهن في أنشطة مخالفة للقانون.
ومن الخطأ أن نختزل هذه الظاهرة في الفقر أو ضيق الحال. فالفقر قد يدفع الإنسان للبحث عن فرصة عمل شريفة، لكنه لا يبرر استغلال الآخرين أو مخالفة القانون. وفي كثير من الحالات، يكون الدافع الحقيقي هو الطمع، والرغبة في تحقيق الثراء السريع، دون النظر إلى العواقب أو الأضرار التي تلحق بالفرد والمجتمع.
إن ثقافة “المال السريع” أصبحت تمثل تحديًا حقيقيًا، خاصة لدى بعض الشباب الذين ينجذبون إلى مظاهر الثراء التي تُعرض عبر المنصات الرقمية، دون إدراك أن كثيرًا منها قائم على ممارسات غير مشروعة أو غير أخلاقية، وأن النهاية غالبًا ما تكون خسارة السمعة، أو الوقوع تحت طائلة القانون.
ومن هنا، فإن مواجهة هذه الظواهر لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، رغم أهميتها، بل يجب أن تعتمد على منظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية والإعلامية، وصولًا إلى الجهات المختصة، من أجل ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج، وتوعية الشباب بمخاطر الانسياق وراء أوهام الشهرة والربح السريع.
كما أن المنصات الرقمية نفسها تتحمل جانبًا من المسؤولية، بما يتطلب تطوير آليات أكثر فاعلية لرصد المحتوى المخالف، وتشديد الرقابة على الحسابات التي تستغل هذه الوسائل في أنشطة غير قانونية أو تروج لسلوكيات تتعارض مع قيم المجتمع.
وفي هذا الإطار، نثمن الجهود التي تبذلها وزارة الداخلية في مكافحة الجرائم الإلكترونية، والتصدي لكل من يستغل التكنولوجيا لتحقيق مكاسب غير مشروعة أو الإضرار بالمجتمع، وهي جهود تعكس حرص الدولة على مواكبة التطورات الرقمية وحماية المواطنين من مخاطرها.
إن التكنولوجيا ليست عدوًا، بل هي واحدة من أهم أدوات التنمية في العصر الحديث، لكن قيمتها الحقيقية تتوقف على طريقة استخدامها. فإما أن تكون وسيلة للعلم والعمل والنجاح، وإما أن تتحول إلى أداة للطمع والاستغلال وهدم القيم.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعي المجتمع، وإدراك الشباب أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بسرعة تحقيق المال، وإنما بسلامة الطريق الذي نسلكه للوصول إليه، فالمكاسب المؤقتة قد تزول، أما السمعة والقيم فهي الرصيد الذي يبقى مع الإنسان طوال حياته.
د. محمد غنيم
نائب رئيس حزب إرادة جيل
أمين عام الحزب بمحافظة البحيرة

