الربان وسام هركي يكتب رسالة لرئيس الوزراء .. هل حان الوقت لإعادة توحيد منظومة النقل في مصر و تمكين أهل التخصص بقطاع النقل البحري؟

الربان وسام هركي يكتب رسالة لرئيس الوزراء .. هل حان الوقت لإعادة توحيد منظومة النقل في مصر و تمكين أهل التخصص بقطاع النقل البحري؟

إماءاً لما ذكرته ببرنامج خارج الصندوق بتاريخ ٢٤ يوليو ٢٠٢٦ و نحن على أعتاب مرحلة جديدة تتشكل فيها ملامح النظام الإقتصادي العالمي الجديد و تتغير فيها سلاسل الإمداد و التجارة الدولية، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في هياكلنا الإدارية و أن أطرح سؤالاً كعادتي لفتح مجال للتفكير ، هل تُقاس قوة الدول بعدد الوزارات أم بكفاءة مؤسساتها و تكامل أجهزتها و الإستفادة من جميع خبراتها الوطنية؟

أثبتت التجارب الدولية أن قوة أي دولة لا تُقاس بكثرة وزاراتها و إنما بقدرتها على بناء مؤسسات مترابطة تعمل وفق رؤية واحدة، يقودها أهل التخصص و الخبرة و الكفاءة من نفس قطاعها ،،، و أثبتت دولتنا المصرية خلال السنوات العديدة الماضية أنها لا تتردد في إعادة هيكلة مؤسساتها بدمج عدد من الوزارات و الحقائب الحكومية بهدف رفع كفاءة الأداء و توحيد الإختصاصات و هو ما يؤكد أن تطوير الهيكل الإداري للدولة هو وسيلة لتحقيق إدارة أكثر كفاءة.

و دعونا نسترجع عام ٢٠٠٢، حينما صدر قرار جمهوري بإنشاء وزارة مستقلة للطيران المدني، في عهد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك و اتذكر حينها تولى الفريق أحمد شفيق مهام وزارة الطيران و قد حققت الوزارة نجاحات لا يمكن إنكارها، سواء في تطوير المطارات أو إعادة هيكلة قطاع الطيران أو تحديث الأسطول أو رفع مستوى الخدمات و هي إنجازات تُحسب لكل من ساهم فيها و ظلت إنجازات التطوير لليوم.

و بعد ما ذكره رئيس الوزارء بأن الدولة تسعي لتستعين بالخبرات و الشركات العالمية لإدارة و تشغيل المطارات و هنا يأتي السؤال المهم لنفكر سوياً:
هل نجحت الوزارة و ما هي اوجه القصور ؟ بعد كل هذا التطوير في المطارات المصرية و السؤال الاهم هو هل ما زال الهيكل الإداري الحالي الذي تم تحديثة عام ٢٠٠٢ بفصل وزارة الطيران عن وزارة النقل هو الأنسب لمصر عام ٢٠٢٦ او حتي لعام ٢٠٣٠؟

فمصر الآن ليست هي مصر منذ ٢٤ عاماً ، و دعوني اسرد بعض التحولات العملاقة فالدولة تنفذ أكبر مشروع متكامل للنقل و اللوجستيات في تاريخها الحديث، شبكة طرق و محاور عملاقة قفذت بمصر من المرتبه ١١٨ للمرتبه ال ١٨ عالمياً ، قطار كهربائي سريع و كافة انواع القطارات الآخري مع تطوير شامل للسكك الحديدية و ترابطها و تكاملها في نقاط عده مثل محطة عدلي منصور، توسيع و تعميق موانئ بحرية مع بناء العديد من الموانيء الحديثة، إنشاء الموانئ الجافة و مناطق لوجستية و ربط كامل بين وسائل النقل المختلفة مع ربط موانيء البحر الاحمر بالبحر المتوسط و ربط طابا بالعريش بإنشاء مواني جديدة مع عمل شراكات دولية لإدارة العديد من الموانيء المصرية و خط سكة حديد بالإضافة الي خط كايرو كيب تاون، بهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي و لوجيستي عالمي للتجارة و الخدمات اللوجستية.

و دعونا لا ننسي ان المطارات تم تحديثها ايضاً بشكل كبير و ملحوظ لاهميتها كمنفذ جوي للافراد و البضائع الهامة.

وهنا يجب أن أطرح سؤال آخر حتي تصل رؤيتي لحضراتكم

إذا كان قطاع النقل البحري، الذي تم تطويرة و تحديثة و ربطه بقطاع القطارات هو من ينقل ما يقرب من ٩٠% من حجم التجارة المصرية و يُعد أحد أهم ركائز الاقتصاد العالمي و المصري، يعمل تحت مظلة وزارة النقل، فلماذا يظل الطيران المدني وزارة مستقلة؟؟؟

علي مدار أعوام أشاهد الكثير من الزملاء بقطاع النقل البحري يناشدوا بظهور وزارة نقل بحري متخصصة علي غرار وزارة الطيران لإن النقل البحري ليس مجرد قطاع عادي، بل هو عصب التجارة الدولية و مصر تمتلك ميزة جغرافية إستثنائية تتمثل في موقعنا الاستراتيجي بوحود قناة السويس و البحرين الأحمر و المتوسط، و الموانئ التي تم و مازال تطويرها باستثمارات ضخمة و رغم هذه الأهمية، فإنه يعمل ضمن منظومة وزارة النقل و هو ما يعكس فلسفة التكامل بين وسائل النقل المختلفة.

وفي الوقت نفسه، تتجه الدولة اليوم إلى إشراك كبرى الشركات العالمية في إدارة وتشغيل عدد من المطارات، كما هو مطبق منذ سنوات في عدد من الموانئ البحرية المصرية، من خلال عقود امتياز طويلة الأجل، قد تمتد إلى عشرين أو ثلاثين عاماً، مقابل نقل التكنولوجيا، و تطبيق أفضل نظم الإدارة و ضخ استثمارات جديدة و رفع كفاءة التشغيل و التدريب و الدخل و السمعه الدولية.

وهذا يقودني إلى سؤال أكثر أهمية:

إذا كانت الدولة تستعين بالخبرات و الشركات العالمية لإدارة و تشغيل مرافقها الإستراتيجية، فلماذا لا نعظم الاستفادة بالقدر نفسه، من الخبرات المصرية المتخصصة في النقل البحري و اللوجستيات و الطيران داخل دوائر التخطيط و صناعة القرار؟ بمعني أصح لماذا لم تعمل دولتنا علي فتح مجال للمصريين المتخصصين العاملين بكبري الشركات و المطارات و الموانيء العالمية ؟؟؟ اليس المتخصصين المصريين اولي؟؟؟

فبكل تأكيد مصر لديها من السادة الربابنه و المهندسين و الضباط البحريين التجاريين و خبراء في تشغيل الموانئ و سلاسل الإمداد و التجارة الدولية، ممن يمتلكون خبرات تراكمية كبيرة إكتسبوها من العمل في الشركات العالمية و الموانيء البحرية العالمية و هذه الكفاءات تمثل ثروة وطنية حقيقية و من الطبيعي أن يكون لها حضور أوسع في مراكز التفكير و التخطيط و صناعة القرار.

ففي جميع مؤسسات الدولة تقريباً، نجد أن أهل التخصص هم الأقرب إلى قيادة ملفاتهم، في الصحة يقود الأطباء المنظومة الصحية و في القضاء يقود القضاة المنظومة القضائية و في السلك الدبلوماسي يمثل الدبلوماسيون الدولة في الخارج و في القوات المسلحة والشرطة يقود أبناء المؤسسة شؤون مؤسساتهم و هذا النموذج يعكس مبدأ بسيطاً و هو أن القرار يصبح أكثر جودة عندما يستند إلى خبرة المتخصصين من أهل القطاع.

و من هنا، فإن الدعوة ليست إلى استبدال أحد ولا إلى التقليل من جهود أي مؤسسة و إنما إلى توسيع دائرة المشاركة و الإستفادة من جميع الكفاءات الوطنية، بما ينسجم مع رؤية الجمهورية الجديدة التي تقوم على تعظيم الإستفادة من الإنسان المصري بإعتباره الثروة الحقيقية للدولة.

و لقد أكد السيد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ ٣٠ يونيو و في أكثر من مناسبة أن الجمهورية الجديدة تقوم على الكفاءة و العمل و المشاركة و أن الوطن يتسع لجميع أبنائه القادرين على العطاء و هذه الرؤية تفتح الباب أمام الإستفادة من كل الخبرات الوطنية، كلٍ في مجاله و تخصصه، دون إقصاء أو تهميش.

ومن هنا، فإن إعادة النظر في الهيكل المؤسسي لمنظومة النقل لم تعد مجرد فكرة إدارية، بل أصبحت قضية تتعلق بكفاءة الدولة في إدارة أحد أهم القطاعات الإقتصادية بشكل أكثر تكاملاً وأكثر قدرة على مواكبة طموحات دولتنا المصرية خلال العقود القادمة ، فوجود وزارة واحدة تضم النقل البري و البحري و الطيران المدني و النهري و السكك الحديدية، مع احتفاظ كل قطاع بهيئاته الفنية و التنظيمية، هو النموذج الذي تتبناه غالبية الدول المتقدمة، لأنه يحقق التكامل في التخطيط و يمنع تداخل الإختصاصات و يُحسن إستغلال الموارد، و يجعل جميع وسائل النقل تعمل ضمن إستراتيجية وطنية واحدة موحده متكاملة.

ويبقى السؤال الذي أضعه أمام صانع القرار، وأمام كل مهتم بمستقبل وطنا الحبيب:

إذا كان إنشاء وزارة مستقلة للطيران المدني عام ٢٠٠٢ قد حقق أهداف تلك المرحلة.

فهل حان الوقت، بعد أكثر من أربعة وعشرين عاماً، لإعادة تقييم الهيكل الإداري لمنظومة النقل، بما يتناسب مع الجمهورية الجديدة و يحقق التكامل بين جميع وسائل النقل و يضع الخبرات المصرية المتخصصة بقطاع النقل البحري التجاري في المكان الذي يستحقوه اسوة بكافة الوزارات و الهيئات و كما يحدث في كافة الكوكب؟؟؟؟

admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *