إبراهيم مدكور يكتب: حين يصبح الطبيب رسالة إنسانية
لم تكن تجربتي مع أطباء الباطنة في السابق جيدة بالشكل الذي يجعلني أذهب إلى طبيب جديد وأنا مطمئن، لكن أحيانًا تأتي الصدفة لتغير نظرتك بالكامل، وتجعلك تكتشف أن لسه فيه أطباء فاهمين كويس جدًا إن الطب مش مجرد تشخيص ودواء وروشتة، لكنه قبل كل ده إنسانية وضمير واهتمام بالمريض.
بعد ما رشح لي أحد الأشخاص مكانًا في مدينة زايد بالسادس من أكتوبر للكشف في تخصص الباطنة، حجزت موعدا، ولم أكن أعرف أن هذا الحجز سيضعني أمام تجربة مختلفة تماما مع الدكتور أحمد بسيوني، طبيب الباطنة.
المفاجأة لم تكن في التشخيص فقط، ولا في طريقة التعامل وحدها، لكنها كانت في إحساسي بأنني أمام طبيب يعرف قيمة علمه، ويحترم مهنته، ويدرك جيدًا أن المريض لا يأتي إلى العيادة بجسده فقط، لكنه يأتي أيضًا بقلقه ومخاوفه وأسئلته، وأحيانًا بأعباء نفسية تحتاج إلى من يسمعها قبل أن يصف لها العلاج.
أول ما لفت انتباهي في الدكتور أحمد بسيوني هو أنه يسمعك باهتمام حقيقي، لا يتعامل مع شكواك باعتبارها مجرد كلمات يريد أن ينهيها سريعا، ولا يشعرك أنك مطالب باختصار معاناتك حتى لا تستهلك من وقته أكثر مما ينبغي. يستمع بهدوء وتركيز، يناقشك، ويمنحك الفرصة لتشرح ما تشعر به، ويتعامل مع أسئلتك بصدر رحب وصبر واضح.
شعرت أنني أمام طبيب يدرك أن الوصول إلى التشخيص الصحيح لا يبدأ دائما من التحاليل والأشعة، لكنه يبدأ أحيانا من الاستماع الجيد للمريض، وفهم تفاصيل شكواه، وربط الأمور ببعضها، وعدم التسرع في إصدار الأحكام.
والأجمل أن اهتمامه لا يجعلك تشعر أنك أمام طبيب يؤدي مهمة روتينية، بل أمام إنسان يحترم الإنسان الذي يجلس أمامه، طبيب يناقشك ويشرح لك، ويمنحك من وقته ما تحتاج إليه لفهم حالتك، دون أن تشعر أن هناك ساعة تحسب الدقائق، أو أن المريض التالي أهم من استكمال حقك في الفهم والاطمئنان.
وهنا تحديدا تظهر قيمة الطبيب الحقيقي؛ فليس المهم أن تدخل العيادة في موعدك وتخرج منها سريعا، ولكن الأهم أن تخرج وأنت تشعر بأن شكواك قد سُمعت، وأسئلتك قد أُجيبت، وأن هناك من تعامل مع حالتك باهتمام ومسؤولية.
الطب مهنة علم، لكنها أيضا مهنة ضمير، الطبيب الناجح ليس فقط من يمتلك المعرفة والخبرة، وإنما من يعرف كيف يستخدم علمه لخدمة المريض، وكيف يوازن بين دقة التشخيص وحسن التواصل، وبين العلاج الطبي والدعم النفسي والمعنوي.
ولا يعني ذلك أن الطبيب مطالب بأن يكون معالجا نفسيا، لكن حسن الاستماع والاحتواء والشرح الهادئ قد يخفف عن المريض كثيرا من القلق، ويمنحه الثقة التي يحتاج إليها في رحلة العلاج.
ما لمسته في تجربتي مع الدكتور أحمد بسيوني هو احترامه لقيمة المهنة، وحرصه على أداء دوره بأمانة، وعدم اختزال العلاقة بين الطبيب والمريض في قيمة الكشف أو عدد الحالات التي يمكن استقبالها خلال اليوم، شعرت أن الأولوية لديه هي أن يحصل المريض على حقه في الاستماع والفحص والمناقشة، وأن يغادر وهو أكثر فهما واطمئنانا.
وبالطبع، فإن تقييم التجربة الطبية لا يتوقف عند أسلوب التعامل وحده، فالعلم ودقة التشخيص والنتائج تظل الأساس الذي تُقاس به كفاءة الطبيب، لكن الإنسانية ليست تفصيلًا جانبيًا في هذه المهنة، بل هي جزء أصيل من التجربة العلاجية التي لا ينساها المريض.
ربما تبدو هذه الأمور بسيطة لدى البعض، لكنها بالنسبة لمن مر بتجارب غير مريحة مع الأطباء تمثل فارقا كبيرا، أن تجد من يسمعك دون ملل، ويحترم مخاوفك، ويجيب عن أسئلتك، ولا يشعرك بأنك عبء عليه، فهذا وحده يعيد إليك شيئًا مهمًا من الثقة.
تجربتي مع الدكتور أحمد بسيوني جعلتني أتوقف أمام حقيقة تستحق أن نتذكرها دائما: ليس كل طبيب يترك أثره في المريض بسبب الدواء الذي يصفه، فهناك أطباء يتركون أثرا لأنهم يجعلون المريض يشعر أنه إنسان يستحق الاهتمام.
كل التقدير للدكتور أحمد بسيوني، ليس لمجرد تجربة شخصية مريحة، ولكن لما تمثله هذه التجربة من صورة أتمنى أن تظل حاضرة في مهنتنا الإنسانية العظيمة؛ صورة الطبيب الذي يجمع بين العلم والضمير، وبين الكفاءة والرحمة، ويعرف أن احترام المريض والإنصات إليه ليسا منّة منه، بل حق أصيل لكل إنسان يلجأ إليه طلبًا للعلاج.
ففي النهاية، قد ينسى المريض بعض تفاصيل الروشتة، وقد ينسى أسماء الأدوية مع مرور الوقت، لكنه نادرا ما ينسى الطبيب الذي منحه وقته، واستمع إليه بصدق، وجعله يشعر بأنه في أيدٍ أمينة.
تحية لكل طبيب ما زال يرى في مهنته رسالة إنسانية قبل أن تكون وظيفة، ويعرف أن أول خطوة في العلاج قد تكون كلمة طيبة، وأذنًا تسمع، وضميرًا لا يقبل أن يقصر في حق مريض.

